المحقق البحراني

223

الكشكول

وممر أنهار البلاغة والفصاحة ومقر أطواد الرصانة والرجاحة ومصرع جنوب المودة والصداقة ، لكن في معارك ذوي الجهل والحماقة والحق بأبى الجمع بين النقيضين والعقل يحرص على الإصلاح بين البغيضين والتوفيق عزيز وخير القول الجامع الوجيز وبحر القدح والمدح لا تفنى عجائبه . ومن الذي ترضى سجاياه كلها * كفى المرء فخرا ان تعد معايبه ومن هنا أيها الفقر والغنى ينبغي أن تعلما أنكما أدخلتماني في أضيق من سم الخياط وكلفتماني المرور على جهنم فوق الصراط وأشق المسالك الشرعية باب الاحتياط وأنا استعين باللّه تعالى وأستهديه واسأله أن يوفقكما لقبول ما أبديه ، وقد امتثلت الأمر وأطعت وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت . أما أنت أيها الغني فأنت المحمود المذموم المشوم المحبوب المبغوض المطلوب المرفوض النافع الضار المقيم الفار المنبه الغار ، وأما أنت أيها الفقر فإنك العدو الصديق المسعف الرفيق المشقي المسعد المهبط للصعد الممرض المعافي المعرض للوافي المخل المكافي الناقص الوافي ، وأنا أفصل لكما هذين الإجمالين وأرفع التناقض بين الاحتمالين حتى تنزهاني عن الجهل والمين وتنقلبا بحقائق الأمة عالمين ، اعلما أن اللّه لم يخلق شيئا عبثا ولا لعبا ولا يظلم ربك أحدا أولاه راحة أو تعبا ، وجمع نعمة ونقمة منتظمة في اسلاك حكمة وكلما أودعه في عالم الكون والفساد ذريعة العباد إلى كسب الفوز في المعاد وملاك حجة كل قضية ما يهدي اللّه إليه حضرة النفس البشرية ، وقد أحلكما اللّه بين عباده في مواقع يجوزها الشرع ولا يجوز من أوفاها حقها ظفرا بالعلم النافع ومن قصر مني بعذاب واقع ما له من دافع فيكون الغنى منحة استوجبها المطيع فحواها أو مصلحة لا يصلح العبد سواها ومحنة للاختيار والابتلاء والاختبار والمصلحة التي يعلمها الحكيم المختار ، فحق المحبوّ بالغنى أن لا يألو جهدا في أن يوالي شكرا وحمدا وان يجعله وسيلة لاكتساب الأخرى ويتصرف فيه بما هو الأولى والأخرى ويتخرج من عهدة الحقوق ويتحرج من وصمة العقوق ، ويستعيذ باللّه تعالى من املائه وفتنته ويحذر أن تغلب الغفلة على فطنته ، وإياه إياه أن يشغله عن مولاه ، وبحت هذا الإجمال تفصيل طويل الويل لمن أضرب عنه والعويل ، وحق الممنو بالفقر ان يأخذ بالرضا والتسليم ويقابل حكمة الحكيم بقلب سليم وينيب إلى باريه بالتوبة ويستعيذ به من شؤم الاثم والحوبة ويشكره على فضله وآلائه حيث خصه بما يرضيه لأنبيائه وأوليائه ويعتاض بعز القناعة والعفاف ويرتاض على التزهد والكفاف ويعتصم بحبل